ابن قيم الجوزية

358

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

قيل : أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حقّ وباطل ، فيطلقها من يريد حقها ، فينكرها من يريد باطلها ، فيردّ عليه من يريد حقّها ، وهذا باب إذا تأمله الذكيّ الفطن ، رأى منه عجائب ، وخلّصه من ورطات ، تورط فيها أكثر الطوائف ، فالجعل المضاف إلى اللّه سبحانه ، يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه ، والجعل الذي قدّره وقضاه قال اللّه : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ( 103 ) [ المائدة ] فهذا نفي لجعله الشرعيّ الديني ، أي : ما شرع ذلك ، ولا أمر به ، ولا أحبه ورضيه ، وقال تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ( 41 ) [ القصص ] فهذا جعل كونيّ قدري ، أي : قدرنا ذلك وقضيناه ، وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل ، وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل ، يراد به أنه جبره وأكرهه عليه ، واضطره إليه ، وهذا محال في حقّ الربّ تعالى ، وكماله المقدس يأبى ذلك ، وصفات كماله تمنع منه ، كما تقدم ، ويراد به أنه مكّنه من ذلك ، وأقدره عليه من غير أن يضطرّه إليه ، ولا أكرهه ولا أجبره ، فهذا حق . فإن قيل : هذا كله عدول عن المقصود ، فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود ؟ . قيل : الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود ، بإقدار اللّه له على ذلك ، وتمكينه منه ، من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها . فإن قيل : فمن الذي خلقها إذا ؟ . قيل لكم : ومن الذي فعلها ؟ . فإن قلتم : الربّ سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان ، أكذبكم العقل